ابن عجيبة

225

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تنشق عنه ، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون ، عراة ، حفاة ، غرلا ، مهطعين إلى الداعي ، فيقول الكافر : هذا يوم عسير . نقله الثعلبي « 1 » . ثم قال تعالى : صُنْعَ اللَّهِ ، هو مصدر مؤكد لمضمون ما قبله ، أي : صنع اللّه ذلك صنعا ، على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور ، وما ترتب عليه جميعا . قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل ، وتهويل أمرها ، والإيذان بأنها ليست بطريق الإخلال بنظم العالم ، وإفساد أحوال الكائنات ، من غير أن تدعو إليه داعية ، بل هي من بدائع صنع اللّه تعالى ، المبنية على أساس الحكمة ، المستتبعة للغايات الجليلة ، التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادئ الإبداع ، على الوجه المتين ، والنهج الرصين ، كما يعرب عنه قوله : الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي : أحكم خلقه وسوّاه ، على ما تقتضيه الحكمة . وقوله تعالى : إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ : تعليل لكون ما ذكر صنعا محكما له تعالى ؛ لبيان أن علمه بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها ، مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفياتها ، على ما هي عليه من الحسن والسوء ، وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم . وقوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها : بيان لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها ، أي : من جاء من أولئك الذين أوتوه بالحسنة فله خير منها ، باعتبار أنه أضعفها بعشر ، أو : باعتبار دوامه وانقضائها ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : « الحسنة : كلمة الشهادة » « 2 » وَهُمْ أي : الذين جاءوا بالحسنات مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ أي : من فزع هائل ، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب ، بعد تمام المحاسبة ، وظهور الحسنات والسيئات . وهو المراد في قوله تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ « 3 » . وقال ابن جريج : حين يذبح الموت وينادى : يا أهل الجنة ؛ خلود لا موت ، ويا أهل النار ؛ خلود لا موت . فيكون هؤلاء مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ، أي : يوم إذ ينفخ في الصور وما بعده آمِنُونَ لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل ، ولا يلحقهم ضرره أصلا . وأما الفزع الذي يعترى كل من السماوات ومن في الأرض ، غير ما استثناه اللّه تعالى ، فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة ، من معاينة فنون الدواهي والأهوال ، ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة ، وإن كان آمنا من لحوق الضرر . قال جميعه أبو السعود .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 6 / 182 ) . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ( 20 / 22 ) . ( 3 ) من الآية 103 من سورة الأنبياء .